سعاده عمل للجغرافيا وصناعة التاريخ وبناء الانسان الجديد

منذ قبل قرن ومع انشاء المندوب الفرنسي الجنرال غورو «دولة لبنان الكبير» في 1 ايلول 1920 لم تقم في هذه الدولة الناشئة ثورة، بل حركات احتجاج وتظاهرات واعتصامات، لم ترق كلها الى مفهوم الثورة التي لديها برنامج وقائد او قيادة حتى في «الحراك الشعبي» الذي انطلق في 17 تشرين الاول 2019، وصف بأنه عفوي، واطلقت عليه اسماء متعددة، بتعدد الخيم التي نصبت في وسط بيروت الى اخرى في بعض المناطق وغاب عن هذا الحراك البرنامج اقله المرحلي بالرغم من وجود مطالب ترتبط بإسقاط النظام السياسي وطبقته الحاكمة الطائفية والفاسدة، الا ان المطالب المحقة تم توجيهها نحو اهداف اخرى فظهر وجود لاحزاب السلطة في الحراك من وراء الستار، او مباشرة، فتم تشويه هذا الحراك واحباط المواطنين.
فقبل 72 عاما انطلقت ثورة في لبنان لم يسبق ان حصلت في دول عربية اخرى سوى انقلاب عسكري قام به حسني الزعيم قبل اطلاق انطون سعاده مؤسس وزعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي لثورته الاولى التي قدم لها سلسلة نداءات وجهها الى الشعب اللبناني تشرح له اوضاعه التي يعاني منها من طغمة حاكمة فاسدة افقرته وجوّعته وافسدت مؤسسات الدولة ونهبت المال العام وزوّرت الانتخابات النيابية واستولت عائلة على الحكم قادها رئيس الجمهورية بشارة الخوري وحكم عنه شقيقه سليم الخوري الذي لقب بـ«السلطان».

وكانت عودة سعاده الى لبنان من مغتربه القسري في 2 آذار 1947 من اجل اطلاق ثورة تهدم النظام السياسي في لبنان وتقيم مكانه نظاما جديدا وهذا ما تنبهت له الحكومة آنذاك برئاسة رياض الصلح فأصدرت مذكرة توقيف بحقه الا ان مؤسس الحزب القومي اصرّ على ان لا تكون مبادئ حزبه افكارا في كتاب ومحاضرات وندوات وحلقات بل ان يكون الحزب اداة لتحقيق النهضة في المجتمع وهذا التوجه لا يمكن تنفيذه الا ببناء انسان جديد يمكنه ان يرسي نظاما جديدا خاليا من الطائفية والمذهبية والاقطاع والرأسمالية الاحتكارية والاستغلالية وبناء دولة مدنية وعدالة اجتماعية واقتصاد قائم على الانتاج لا الريع.

لم يكن سعاده يقصد عندما وضع المبادئ للعقيدة القومية الاجتماعية ان تبقى في كتاب او كتب الّفها مرصوصة الى جانب كتب اخرى بعناوين عدة بل اراد ان يقرن الفكر بالفعل وان كل تأخير في اطلاق ثورة تحقق المبادئ وترتقي الى الانتصار في المجتمع فإن مصيرها الضمور واتباعها يتبددون وهذا ما فعله عندما انشأ «منظمة الزوبعة» لمقاتلة الاستيطان اليهودي في فلسطين عام 1936 وفي الوقت نفسه بدأ اعداد «جيش قومي» لمقاومة الاحتلال الصهيوني بعد اغتصاب فلسطين عام 1948 وتلكؤ الجيوش العربية عن نصرة الشعب الفلسطيني ولم تتم الاستجابة لدعوة سعاده بأن تقوم خطة نظامية معاكسة بوجه الخطة الصهيونية المنظمة.

لقد اشرك سعاده حزبه في كل الثورات والانتفاضات المرتبطة بمواجهة الاستعمار البريطاني والفرنسي والغزو الصهيوني فدافع عن لبنان اثناء انتفاضة شعبه ضد المستعمر الفرنسي والمطالبة برحيله وهذا ما قام به ايضا في الشام.

فيما قصده سعاده من وضع المبادئ هو ان يقوم حزب ليس بنشرها تبشيريا بل ان يرى الفرصة مناسبة ليحولها الى فعل ومنها الثورة التي اعلن عن انطلاقها في 4 حزيران 1949 واقدم على تنفيذها في 4 تموز من العام نفسه فأصدر بلاغا عن اهدافها وغايتها لكن ثورته فشلت لاسباب عدة الا ان خميرة الثورة بقيت لعجينة اخرى فحدث الانقلاب العسكري – الحزبي نهاية عام 1961 وفشل من سماها الثورة القومية الاجتماعية الثانية حيث اخرج الحزب نفسه من العمل للثورة او الدخول في انقلاب لا سيما في لبنان واتخذ توصية في المؤتمر القومي العام الذي انعقد في بولونيا عام 1984 حيث تحول الحزب للعمل ضمن المؤسسات الدستورية للنظام اللبناني وهي ليست المرة الاولى التي يلجأ فيها للمشاركة في الانتخابات النيابية اللبنانية كما السورية او الاردنية لكن احتواء النظام اللبناني له بعد اتفاق الطائف والتحالفات التي اقامها مع قوى سياسية وحزبية لا تشبهه فكرا وممارسة حجبت عن المواطنين ما يصبو اليه الحزب من النهوض بالمجتمع لان قضيته هي الانسان في المجتمع وهو الفرد الذي يمتلك طاقة يوظفها في خدمة شعبه.

لذلك كانت ثورة تموز 1949 شعبية ومسلحة فلم يحصل مثلها ما قبل ولا بعد لان سعاده ادرك ان الثورة تعني تدمير ما قام على باطل وفساد وطائفية ومحاصصة وهذا ما هو عليه النظام في لبنان الذي لم يعد يحمل عمليات ترقيع او تجميل وكانت اخر محاولة في الطائف حيث لم ينفذ ما اتفق عليه من اصلاحات قبل اكثر من ثلاثين عاما مما ادى الى انفجار شعبي بلغت ذروته في 17 تشرين الاول لكنه لم يكن منظما ولو عاد من انتفضوا في الشارع الى قراءة التاريخ لعرفوا ان ثورة قادها سعاده سبقتهم وارساها على برنامج تغييري وواجه السلطة بالسلاح لانها لا تفهم غير هذه اللغة.

فالثورة التي اطلقها سعاده قبل سبعة عقود، تصلح لأن يعتمد برنامجها من يتحركون في الشارع وقد يبدلون الاسلوب لكن هذه السلطة لا ينفع معها التحرك السلمي وقد استعادت امساكها وتماسكها في الحكم واعادت انتاج نفسها في تشكيل الحكومة وستعود الى مجلس النواب في الانتخابات النيابية المقبلة ولا بدّ من ان يتقدم الثوار الحقيقيون ويعلنون انهم احرار من اي ارتباط وان قضيتهم هي المجتمع كما قال سعاده وهو على خشبة الاعدام في محاكمة صورية وشكلية بأن «موتي شرط لانتصار قضيتي» التي هي المبادئ التي وضعها وحولها من نص الى فعل وهو القائل ان «فيكم قوة لو فعلت لغيرت مجرى التاريخ».

فبناء الانسان على قيم الحق والخير والجمال والاعتماد على المناقب وممارسة الاخلاق هو ما ابتغاه سعاده من تحقيق مبادئه فأعاد التأكيد على وحدة الجغرافيا الاجتماعية والطبيعية والاقتصادية والسياسية والحضارية لكنه العمل في التاريخ وصناعته لذلك عمل سعاده للجغرافيا ليصنع التاريخ.

المصدر: نقلاً عن الديار – بقلم الأستاذ كمال ذبيان

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *