لبنان شعب «بلغات عديدة» فكيف يتوحّد؟

غاب الاتحاد العمالي العام عن «الحراك الشعبي»، الذي انطلق في 17 تشرين الاول 2019، رفضاً لزيادة رسم بـ 6 دولار على اتصالات «الواتساب»، وكان عفوياً، لتدخل عليه عوامل سياسية، وتدخلات خارجية، ولم تظهر له قيادة، كما لم يحدد برنامجاً مرحلياً، اذ تنوعت مطالبه، الى حد انه فقد دوره، وتبددت اهدافه، وهي اسقاط الطبقة الحاكمة، واندثر شعار «كلن يعني كلن»، وبات كل صاحب مطلب له خيمة في ساحة الشهداء او رياض الصلح، ومن مليون متظاهر كما كان يجري الاحساب، الى عدد قليل من المشاركين في الاحتجاجات، حتى خلت الساحات من المنتفضين، لاسباب عدة، ليتبين بان احزاب السلطة وبعض قليل خارجها، هو من يحرك الشارع، وان قلة تطلق على نفسها اسم «المجتمع المدني»، او توصيفات اخرى، حاولت تصدّر المشهد، وانطلقت اتهامات بين قوى في الحراك، على ارتباطات، وتلقي اموال، وركوب موجة ما سمي «ثورة» الخ…

خمد «الحراك الشعبي»، الذي اثر عليه ظهور «وباء كورونا»، لكن الوباء الاخطر، الذي اصابه «الفردية»، وحب الظهور، بالرغم من براءة مشاركتي فيه، واندفاعهم نحو التغيير، ومحاربة الفساد، مما حدا بالسلطة الى ان تعود الى الواجهة السياسية، ليس بسبب قوتها، بل لضعف من انتفضوا بوجهها، وتشرذم الصفوف، اذ يعترف من كانوا فاعلين في «الحراك الشعبي»، بأن الوهن الذي اصاب الانتفاضة، هو عدم وجود قيادة موحدة، سعت هيئات وتجمعات في الحراك الى قيامها، فنشأ تنسيق بين مجموعات في الحراك، لم تبق عليه، فتفرقت، اضافة الى ان الاحزاب هي من امسكت ايضا بالشارع، فكانت «القوات اللبنانية» في ذوق مصبح وجبيل، وحزب الكتائب في جل الديب والصيفي، و«تيار المستقبل» في مناطق خلده والسعديات والناعمة وبرجا وتعلبايا وسعدنايل، وكان حضور ايضاً لمجموعات توالي بهاء الحريري تتحرك في طرابلس وبيروت والبقاع وعلى الطريق الساحلية، كما ظهرت مجموعات مجهولة الانتماء، وبرزت اسماء لاشخاص، لا يُعرف لهم تاريخ في العمل العام، وكان هؤلاء موضع تشكيك من قبل «ابرياء الحراك الشعبي»، الذي رفع مطالب محقة.

ومع مرور اكثر من عام ونصف العام على ما سُمي «انتفاضة 17 تشرين»، فان زخمها تراجع، ولو جرت محاولات لاحيائها من قبل مجموعات تتحرك لمطالب آنية فقط، فان الاتحاد العمالي العام، عاد الى الواجهة، ليتم استخدامه سياسياً وهو في غالبيته مكون من احزاب، حيث كان الحزب الشيوعي يقوده تاريخياً، لكنه انكفأ لصالح احزاب اخرى، وابرزها حركة «امل»، التي تحركه، كما تقول مصادر سياسية متابعة، اذ ان توقيت الاضراب الذي دعا اليه الاتحاد العمالي العام، وتحت عنوان تشكيل حكومة، تزامن مع التراشق السياسي والاعلامي بين رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب، حول مبادرة الرئيس نبيه بري، الذي يتهمه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بانحيازه الى الرئيس سعد الحريري، وهو الذي اعاده الى رئاسة الحكومة، حيث لم يكن عون ولا رئيس «التيار الوطني الحر» يرغبان عودته اليها، بعد ان تهاوت التسوية الرئاسية.

فدعوة الاتحاد العمالي العام تصب في هدف سياسي، ولذلك لاقى دعم احزاب السلطة، التي شاركته الاضراب والتظاهرات وقطع طرقات، ليبدو المشهد مستفزاً للمواطنين، بان تتظاهر السلطة مع الاتحاد العمالي العام، وضد من، وكل طرف اراد توظيف الاضراب باتجاه اهدافه ومصالحه، وفق المصادر، التي لا ترى بالاتحاد سوى واجهة نقابية، استخدمت في السياسة، حتى من ضمن الافرقاء المختلفين حول تشكيل الحكومة، فايد «التيار الوطني الحر»، مطلب الاتحاد العمالي، ومثله فعل «تيار المستقبل» و«جبهة التحرر العمالي» التابعة للحزب التقدمي الاشتراكي وتجمعات نقابية حيث تساءل المواطنون، ضد من يُضرب الاتحاد، كما ان احزاب السلطة، تؤيد الاضراب ضدها؟

هذا هو لبنان، الذي يتكلم بلغات عديدة، لا يفهم منها شيئاً، فالسلطة تتضامن ضد من يقف ضدها، والاتحاد العمالي يعلن الاضراب، لتحقيق اهداف من هم في السلطة، كما ان «الحراك الشعبي» تعطل لان من شاركوا فيه كانوا يتحدثون بلغات مختلفة، واللغة مفقودة بين اللبنانيين وليسوا موحدين فهم يتكلمون بالطائفية والفئوية والمناطقية، وينطقون بالعنصرية، ويتحدثون عن الفدرالية، ولا تجمعهم لغة واحدة حول بناء الدولة، ولا احترام الدستور والمؤسسات، بل تسري بين اطراف السلطة، لغة المحاصصة والمحسوبية والمكاسب والمغانم.

لبنان شعب بلغات عديدة، فكيف يتوحد؟

كمال ذبيان

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *